حياة مريم العذراء
 الخورأسقف بيوس قاشا
الطبعة الأولى ـ 2004

 

  المقدمـة
  بعد مرور ألفي سنة على البشارة بالإنجيل، كاد القرب من مريم يقتصر على تصورها فتيّة جميلة، تلبس ثوباً أبيضَ، ورداءً وزنّاراً أزرق، وتعلو وجهها ابتسامة ناعمة. وبات جمهور المؤمنين من ذوي الإرادة الطيبة يكتفي في علاقته  مع مريم بفروض تقوية لطلب شفاعة الأم السماوية، ناسياً في أغلب الأوقات أن مريم هي مدرسة الإيمان والرجاء والمحبة، وإنها تودّ اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى أن تتعهد خطى أبنائها على درب القداسة.
        نعم، ليست مريم النور، لكنها تشعّ نوراً آتٍ من السماء، نوراً يتخطاها ليضيء ويهدي جميع الذين يقتربون منها، إلى ابنها يسوع. فمريم عطيّة الله لأبناء هذا الزمان، وبقبولهم النور يصبح البشر بدورهم أبناء النور، ومرآة مجد الله الآب ... ومريم مثل يوحنا المعمدان "لم يكن هو النور بل كان ليشهد للنور" (يو8:1). فالمسيح هو النور والحق والحياة، ومريم تشهد لهذا النور معلنة حقيقة المسيح عبر حياة الزمن بقوة الروح الذي حلّ فيها "فجعلت سر المسيح حاضراً لدى البشر، ولا تزال على هذه الأرض وعبر سر المسيح هي أيضاً حاضرة لدى البشر" (البابا يوحنا بولس الثاني.  أم الفادي 19).

        وقد أفرد آباء المجمع الفاتيكاني الثاني فصلاً كاملاً من الدستور العقائدي في الكنيسة (نور الأمم ـ رقم 8) للتأمل في الطوباوية مريم أم الله في سر المسيح والكنيسة، وشدّدوا على إيمانها الحي، وعلى اتحادها بابنها تحت الصليب.

        فإيمان مريم جعلها أن تكون التلميذة الأولى لابنها، وإيمانها يتجدد كل يوم عبر المحن والصعوبات التي تكتنف مرحلة طفولة يسوع، وطوال الحياة الخفية في الناصرة (أم الفادي 17). أجل، مريم هي الحاضرة في سر الكنيسة، وهي بحق الأم والنموذج، فهي تسهم في محبة نابعة من أمومتها في ولادة أبناء الكنيسة الأم.

        إليها أتوجه في كتابي هذا، ومنها أطلب، لي ولكم أيها المؤمنون الكرام، شفاعتها، لكي نواصل مسيرة الإيمان عبر حياة الزمن في تجديد علاقتنا مع ابنها ومعها، وتُبعد عنا كل شر وحيلة شيطانية، وتنجّينا من المخاطر الدنيوية، وتبارك ألفنا الجديد الذي عبرنا عتبته قبل أربعة أعوام ... وأقول بكل ثقة، سأبقى التجئ إلى حمايتها، وسأبقى وفياً لابنها ولها ولخطيبها يوسف البتول ـ الصامت الكبير ـ حتى نهاية حياتي ... مواصلاً رسالتي الكهنوتية بكل عطاء وإخلاص ووفاء.