|
||||||
|
إنَّ القوة الإلهية التي تحرّك الكنيسة تعمل بالإنسان، وفي الإنسان، ومن أجل الإنسان، لذلك اتّسم تاريخ الكنيسة وتميّز بهذا السرّ العجيب _عمل الروح القدس _ "ولكنَّ الرّوحَ القدسَ ينزِلُ عليكم، فتنالونَ قوّةً، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وكلِّ اليهودية والسامِرة، حتى أقاصي الأرض" (أع 8:1) الذي حفظها في خضمّ أمواج القرون، كما حفظ سفينة نوح من الطوفان، لتبقى الكنيسة ملكوت الله في الأرض. كما تميّز تاريخ الكنيسة، ولِمَن يتأمّله في عمق وموضوعية، بأنه تاريخ حركة إلهية أو مبادرة من المسيح مؤسِّسها، وهو لم يزل الإله الحيّ، يقودها بروحه القدوس، ويعمّم تعاليمها، ويغذّي كل أعضائها بالقداسة، ويحدّد دوماً في مسيرتها إرادة العطاء والبقاء. وبقدر اتحاد الأعضاء بالمسيح الرأس تسري في كيانهم مفاعيل النعمة والخلاص ... ويتبلور عامة تاريخ الكنيسة حول الشخصيات الدينية والمجامع الراعوية والمحلية والمسكونية الكبرى ... فالمجامع حركة إلهية فجّرها تجسّد المسيح الكلمة وتيار المحبة والتفاني الذي شقّه سرّ الفداء. إنَّ كتاب معجم اللاهوت الكاثوليكي يُعَرِّف كلمة "المَجْمَعْ" أو "المجامع" بأنها اجتماعات تتألف قبل كل شيء من الأساقفة، وتلتئم للبحث في أمور كنسية، ولأخذ بعض القرارات وتطبيقها. في "المجامع المحلية" يمثّل الأساقفة كنائسهم المحلية، أما في الاجتماع الذي يدعو إليه ويديره ويثبته البابا ويجمع ممثلين عن الكنيسة كلها يدعى "مجمعاً مسكونياً"، والمجمع المسكوني يسمح بإظهار وحدة الكنيسة بصورة أوضح وباستيعاب أكبر لتعددية الأساقفة وكنائسهم المحلية. فالأساقفة المجتمعون في مجمع مسكوني، عندما يتحاورون ويقررون مع البابا وتحت إدارته، يمارسون حسب التعليم الكاثوليكي والحق القانوني (القانون 228) [CIC (Codex Iuris Canonici): مجموعة الحق القانوني اللاتيني. CCEO (Codex Canonum Ecclesiarum Orientalium): مجموعة قوانين الكنائس الشرقية (الكاثوليكية)]، سلطة الكنيسة العليا، وعندما يتبنّى المجمع تحديداً رسمياً فإن لهم إذّاك العصمة في مادة الإيمان، وهذا يُطبَّق عليهم أيضاً عندما يمارسون ويعلنون كلهم تعليم الكنيسة العادي، وفي كلتا الحالتين يظهرون كجماعة خلفاء جماعة الرسل، وعلى الكنيسة أن تتمسك به، وعلى المؤمن أَتَمّ الخضوع، فالكنيسة وحدها هي التي تعلن على لسان الحبر الأعظم أو المجمع إرادتها أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا القرار… فحين يعلّم الأساقفة بالإجماع وهم متحدون بالبابا تعليماً واحداً فهم يعرضون بوضوح حقيقة موحى بها… إن مسيرة المجامع المسكونية مسيرة طويلة وشائكة، وقراراتها تعبّر عن إيمان الكنيسة كلها، ولم ولن تتأثر بدافع البدع ولا بأخطاء أحد اللاهوتيين أو بسلطة الإمبراطور. فالمجامع المسكونية الثمانية الأولى عُقدت في الشرق، أما المجامع الأخرى الباقية فقد عُقدت في الغرب، كما أن الكنيستين السريانية والقبطية الأرثوذكسيتين، ومَن حذا حذوهما، فإنهما لا تسلمان إلا بالمجامع الثلاثة الأولى، أما سائر الكنائس الشرقية الغير الكاثوليكية فإنها تقرّ بمسكونية المجامع السبعة الأولى. وها نحن ندخل الألف الثالث، والكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية، لا زالت تكتب تاريخ مسيرتها ... وكلها أمل ورجاء في توحيد المسيحيين مجدَّداً. فبالصلاة والعمل يمكن للمجامع واللقاءات المسكونية أن تنتصر في النهاية ... فقد كانت ولا زالت أمّنا الكنيسة الكاثوليكية قد التزمت، في المجمع الفاتيكاني الثاني، بالعمل المسكوني التزاماً رسمياً، وأنشأ البابا بولس السادس عام 1964 أمانة خاصة، مهمتها العمل الدؤوب الفعّال في سبيل الوحدة المسيحية الكاملة. وأختم مقدمتي هذه، بقول البابا بولس السادس:"إن الكنيسة تريد أن ترى نفسها في المسيح، كما في مرآة. وإذا ما ظهرت على وجهها بعض الظلال القلقة، أو على ثوب عرسها بعض اللطخات، فما عليها إلاّ أنْ تُصلح ذاتها، وتتطهر، وتتجدّد، وأنْ يستعيد وجهها بهاء المسيح، مثالها الإلهي، عندئذٍ يمكنها أن تقول للعالم: مَن يراني، يرى المسيح ... كما قال المسيح: مَن رآني، رأى الآب". لذا، يودّ المجمع المسكوني أن يكون يقظة ربيعية لطاقات روحية ومناقبية هائلة، لا تزال كامنة في قلب الكنيسة ... وباختصار، يسعى المجمع إلى ترقّي الكنيسة لتستعيد بهاء الكمال والقداسة، ولن تستعيد ذلك إلاّ باقتدائها بالمسيح، وبمشاركة سرية له، في الروح القدس (البابا بولس السادس، في افتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني). |
||||||