الأديان ... من أجل الحياة والبقاء

المونسنيور بيوس قاشا

صدمة الحادي عشر من أيلول (سيبتمبر) لا زلنا نواجه ذيولها المخيفة، والصراعات التي خلّفتها، والعداوات التي أنشأتها بين الشعوب، والهموم والمآسي والمتاعب التي سبّبتها لأناس أبرياء راحوا ضحية الإرهاب. ومن ضمن هذه الصراعات، صراع الأديان، وهذا الصراع يصوّر لنا أن الأديان لا تدعو إلى المحبة والسلام بل تدعو إلى الإقتتال والنـزاعات والكراهية، وإنزال أحكام بأوامر من السماء ... بينما الأديان في الحقيقة ليست إلا نداءً للسماء، وتدعو _ عبر هذا النداء _ إلى العبادة لله المحب القادر على كل شيء، وإلى فعل الخير وبناء السلام من أجل عالم يدعو إلى التضامن وسلوك سواء السبيل.

          ومن أجل هذه الرسالة السامية يجتمع بين حين وآخر، في دولة وأخرى، رجال دين مسيحيين ومسلمين ويهود وديانات أخرى، في مؤتمرات وندوات يعقدونها من أجل بناء الخير والتكاتف لمقاومة أولئك الذين يدعون إلى القتل والتدمير وتحليل الحرام.

          وفي العشرين من كانون الثاني عام 2002، وقّع رجال دين مسيحيين ومسلمين ويهود _ في مؤتمر عقدوه في مدينة الإسكندرية شمال مصر _ إعلاناً مشتركاً أدانوا فيه قتل الأبرياء باسم الله، وهذه كانت المرة الأولى التي يوقّع فيها شخصيات دينية مرموقة من الديانات التوحيدية بياناً مشتركاً ضمّنوه إدانة مباشرة للهجمات الإنتحارية، إذ قالوا:"إذا عدنا إلى تقاليدنا الدينية، فإن قتل الأبرياء باسم الله يشكّل تدنيساً لاسمه القدوس، ويلطّخ سمعة الأديان في العالم".

          والبابا يوحنا بولس الثاني في رسالته "الألف الثالث الذي بدأ"، وبمناسبة الإحتفال باليوبيل الألفي الميلادي، دعا مؤمني الديانات إلى تعزيز روح الإنفتاح والثقة المتبادلة من أجل خير العائلة البشرية جمعاء. وقال فيها: إن رسالة الأديان تتخذ أهمية بالغة في مجتمع متعدد الثقافات والأديان بغية إبعاد شبح الحروب والنزاعات الدينية التي أدمت تاريخ الإنسان. فاسم الله الواحد يجب أن يشكّل للجميع اسم سلام، ودعوة إلى السلام، وبناء التآخي الشامل البديل الوحيد للعنف والظلم والإرهاب.

          ويقول البابا بندكتس السادس عشر: يجب ألا يتحول الدين وحواره إلى خيار موسمي، فإن خيرات الماضي يجب أن تساعدنا على تحاشي ارتكاب الأخطاء نفسها. فالأديان بحث عن درب المصالحة والعيش ضمن احترام هوية الآخر.

          أما رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان يقول في رسالته بمناسبة شهر رمضان المبارك في 28 أيلول 2007: على أتباع الديانات فوق كل شيء بصفتهم خَدَمَة للعليّ الكليّ القدرة، واجب العمل لصالح السلام، وهو أمر يشترط احترام المعتقدات الشخصية والجماعية لكل إنسان، إضافة إلى حرية الممارسة الدينية. لأن الحرية الدينية هي حق أساسي للإنسان أينما وجد، وكم هو حق أكيد إذا هم من أبناء الوطن نفسه ... فالذي يبتغي أن يكون دافعاً أو دعماً لتوترات في عالم اليوم، بل بالعكس يجب أن يشجّعنا ويوجّه أنظارنا وانتباهنا نحو الله والقريب. فلولا الله والقريب لا وجود للأديان، وما هذا إلا علاقة عمودية ثم من خلال هذه العلاقة تنشأ العلاقة الأفقية، وتكون المحبة أساس العلاقتين ورمزاً للأديان.

ولكي ننشيء علاقات إنسانية تدعونا إلى احترام الأديان الأخرى، لابدّ من القضاء على التمييز والإضطهاد الديني الذي يتطلب تربية المواطن على التسامح بدءاً من مقاعد الدراسة، بل بدءاً من ساعة الوجود الزمني ووصولاً إلى دور العبادة وساعة الرحيل. وفي هذا يتعين على رجال الدين أن يجعلوا من خطاباتهم ومواعظهم رسالة يُشَمّ منها عطر السماء عبر المحبة والتسامح، وليس رائحة البارود والتدمير والقتل والعنف، لأن رجال الدين رجال وكلاء، وعلى الوكلاء أن يكونوا أمناء بل أوفياء. فالوفاء لله لا يأتي إلا عبر وفائنا للإنسان، إذ في الإنسان نكتشف حضور الله، ونكتشف وجه الأديان الجديد في حوار أكيد وليس في صراع وضياع، لأن حوار الأديان يدعونا إلى عيش المبادئ المنادية بالإحترام المتبادل وحرية المعتقد والتعايش السلمي والتعاون، وبناء جسور تفاهم وثقة بدل ثقافة العنف وأعمال الحرب والدمار وتهميش الآخر. فالجريمة المرتكبة باسم الدين جريمة بحقه وفقاً لإعلانَيْ بيرن عام 1992 والبوسفور عام 1994 الذي شارك في إعلانه أكثر من 80 رجل دين من مختلف أنحاء العالم في 26 كانون الأول 2001.

من هنا، يقول رومانو بردي رئيس المفوضية الأوربية: إن القيم الإنسانية والثقافية والروحية، ومن خلالها تلعب الديانات والسلطات الدينية دوراً لا بديل عنه لبناء مجتمع ديمقراطي. وهذا الدور لا يكون سهلاً وخالياً من الصعاب، لأن سوء التفاهم والأحكام المسبقة تشوّه وجه الأديان، وتصبح عائقاً في وجه مسيرته السلمية خوفاً من أن تقابَل اليد الممتدة بمودة وصداقة إلى الشخص الآخر بالرفض. بينما تكون الأديان مصدر فرح وتشجيع وعيش مشترك إذا ما كانت للأديان ولأتباعها اتصال أخوي، وعبر هذا يكون الدين عمل الله في عقول الشعوب وقلوبها عبر المسيرة الزمنية الواحدة.

وخلاصتنا تقول: أن للأديان رسالة سماوية سُلِّمت بأيادٍ بشرية أرضية من أجل الحياة والبقاء، ولا يمكنها أن تدعو إلى العنف والقتل وتدمير الآخر ومن أي دين كان، فليس هناك دين صحيح أو غلط، فكل الأديان صحيحة إذا ما كانت تدعو إلى المحبة والتفاهم، وقيمتها سماوية بالذين يؤمنون بها، فهم بإمكانهم أن يشوّهوا صورة الدين أو أن يبجّلوها، فالأمر ليس متعلق بالله فقط بل إن الله أعطانا، وعلينا أن نكون أوفياء _ كما قلتُ _ لهذا العطاء، ولا يمكن أن نشوّه هذا العطاء. فالبابا بندكتس السادس عشر يؤكد أن العنف لا يتوافق وطبيعة الله ولا مع طبيعة النفس البشرية، ولا يجوز استخدام العنف باسم الدين ومن أي مصدر كان، وفي هذا يشجب كل تشويه يصيب الأديان عبر تبرير العنف باسم الدين. فالدين عامل سلام ولا يجوز استخدامه كأداة حرب، والعنف يتعارض مع الديانات بينما الحوار وعيش الأديان الصحيح يساعد على وضع حدّ للتطرف، وهو دعوة إلى توحيد الجهود لوضع حدّ لهذه المأساة الرهيبة، من أجل بناء عالم السلام الدائم والعادل، وفي رعاية الرحيم الرحمن، وفي وفاء الإنسان، في الدعاء إلى المحبة والغفران. فالأديان رسالة سماوية لكل الأزمان، وما أحلى العيش بِنِعَم الله ... فلنعمل كلنا في أن نكون أوفياء لأديان السماء ... فالمسيحية انفتاحٌ وتقرّبٌ من المسلمين خاصة بما هو مشترك من إيمان ومبادئ وقيم إنسانية بين الدينَيْن، هكذا يقول البابا بندكتس السادس عشر الذي يكنُّ احتراماً عميقاً للمسلمين الذين يعبدون الإله الواحد، مبيّناً الإلتزام المشترك في نشر وتعزيز العدالة الإجتماعية، والقِيَم الأخلاقية، والسلام والحرية وسط جميع البشر ... آمين.